أحمد زكي صفوت

311

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

71 - أعرابي يصف مطرا عن أبي عبيدة قال : خرج النّعمان في بعض أيامه في عقب سماء ، فلقى أعرابيّا على ناقة ، فأمر فأتى به ، قال : كيف تركت الأرض وراءك ؟ فقال : « فيح رحاب « 1 » ، منها السهول ومنها الصّعاب ، منشوطة بجيالها ، حاملة لأثقالها » ، قال : إنما سألتك عن السماء ! قال : « مطلّة « 2 » مستقلّة ، على غير سقاب ولا أطناب ، يختلف عصراها ، ويتعاقب سراجاها ، قال : ليس عن هذا أسألك ! قال : فسل ما بدا لك ، قال : هل صاب الأرض غيث ؟ قال : « نعم : أغمطت « 3 » السماء في أرضنا ثلاثا رهوا ، فثرّت وأرزغت ، ورسّغت ، ثم خرجت من أرض قومي أقرؤها « 4 » ، فإذا هي متواصية ، لا خطيطة بينها ، حتى هبطت بعشار ، فتداعى السحاب من الأقطار ، فجاءنا بالسيل الخرّار ، فعفا « 5 » الآثار ، وملأ الجفار ، وقوّر عالي الأشجار ، فأجحر الحضّار ، ومنع السّفّار ، ثم أقلع عن نفع وإضرار ، فلما اتلأبّت « 6 » لي القيعان ، ووضحت السّبل في الغيطان ، وفات العنان ، من أقطار الأعنان ، فلم أجد وزرا إلا الغيران ، ففات وجار الضبع ، فغادرت السهول

--> ( 1 ) فيح جمع فيحاء : واسعة ، وكذا رحاب ، منشوطة : مشدودة ، من نشط الحبل كنصر عقده ( وأنشطه : حله ) . ( 2 ) مطلة : مرتفعة ، وكذا مستقلة ، والسقاب جمع سقب كشمس : وهو عمود الخباء ، والعصران : الليل والنهار ، وسراجاها : الشمس والقمر . ( 3 ) أي دامت ولازمت ، والرهو : السكون والثرة من العيون : الغزيرة كالثرارة ، وقد ثرت هي ، والرزغة بالتحريك : الوحل ، وأرزغ المطر الأرض بلها ولم تسل ، ورسغ المطر : كثر وثرى الأرض حتى تبلغ يد الحافر عنه إلى أرساغه . ( 4 ) أتتبعها ، والخطيطة : الأرض لم تمطر بين ممطورتين ، أو التي مطر بعضها ، وعشار : موضع . ( 5 ) محاها وطمسها ، والجفار جمع جفر كشمس : البئر التي لم تطو ، وقورها : قطع من وسطها خرقا مستديرا ، وأجحر ، من أجحر الضب : أي أدخله في جحره ، والحضار جمع حاضر وهو المقيم في الحضر ، والسفار جمع سافر وهو المسافر لا فعل له . ( 6 ) استقامت ، والعنان : السحاب ، والأعنان من السماء : نواحيها ، والوزر الملجأ ، والغيران جمع غار : وهو الكهف في الجبل ، والوجار بالكسر والفتح : جحر الضبع وغيرها .